جنازة زوجي
مع سقوط آخر حبة تراب فوق قبر جوزي، وبينما كانوا ولادي الاتنين واقفين جنبي بيعيطوا قدام المعزيين، الموبايل في إيدي اتهز بإشعار من رقم مجهول
أنا عايش... أوعي تثقي فيهم.
اتسمرت في مكاني.
قلت دي أكيد هرتلة أو قسۏة قلب من حد معندوش رحمة، استغل يوم جنازته عشان يعمل مقلب بايخ.
لكن بعد ثواني وصلت الرسالة التانية ومعاها صورة لمكتب جوزي، ومكتوب فيها
الوصية الحقيقية مخبية هناك.
الموبايل اتهز في إيدي في نفس اللحظة اللي الشيخ كان بيرفع فيها إيده بالدعاء الأخير قبل ما الناس تسيب المقاپر وتمشي.
وقفت قدام قبر جوزي محمود، شريك عمري لأكتر من تلاتة وأربعين سنة، والأسود لاففني من راسي لرجلي، ورجليا مش شايلاني من الصدمة والحزن.
ولادي، أحمد ومصطفى، كانوا واقفين على بعد خطوات مني.
هاديين زيادة عن اللزوم.
متماسكين زيادة عن اللزوم.
وباردين لدرجة تخوف، وماتبانش على شابين لسه دافنين أبوهم من دقايق.
الرسالة كانت من رقم مجهول.
أم أحمد... ما تعيطيش على الچثة دي. ده مش أنا.
حسيت إن نفسي اتكتم.
ورفعت عيني ببطء وبصيت ناحية القپر.
في اللحظة دي، حسيت الدنيا بتلف بيا.
اضطريت أسند على دراع ست كانت واقفة جنبي عشان ما أقعش.
وبأصابع بترتعش كتبت
أنت مين؟
ما فاتتش ثواني وجالي الرد.
أنا محمود. أوعي تثقي في ولادنا.
الموبايل كان هيقع من إيدي.
أحمد لفت وشه ليا بسرعة.
وقال
أمي... أنتِ كويسة؟
داريت الموبايل بسرعة ورا عبايتي.
وقلت
آه... شوية دوخة بسيطة.
ابتسم لي.
بس ما كانتش ابتسامة ابن بيطمن على أمه.
كانت ابتسامة واحد بيتأكد إن كل حاجة ماشية بالملي زي ما هو عايز.
قرب مصطفى هو كمان ومسكني من دراعي.
يلا بينا على البيت يا أمي. مش هينفع تقعدي لوحدك.
ما كانش اقتراح.
ده كان أمر، بس متغلف بحنية مزيفة.
طول وقت العزاء في السرادق، الناس كانت ورا بعضها بتعزيني.
البقاء لله يا أم أحمد.
شدي حيلك.. أنتِ ست
قوية.
ولادك رجالة وهيوقفوا في ضهرك.
كنت بهز راسي في صمت.
بس عقلي ما كانش سامع غير جملة واحدة
أوعي تثقي في ولادنا.
على حسب كلامهم ليا، محمود ماټ بأزمة قلبية مفاجئة وهو في مكتبه.
أنا ما كنتش موجودة وقتها.
أحمد هو اللي كلمني على نص الليل.
وقال وصوته مخڼوق بالدموع
أمي... أبويا ماټ.
ولما وصلت، كانت عربية الإسعاف واقفة تحت البيت.
ومعظم الأوراق كانت خلاص اتمضت.
وكل الإجراءات بدأت في ثواني.
حتى ترتيبات الډفن والمقاپر كانت جاهزة وكأنهم مرتبين لها من قبلها.
كل حاجة حصلت بسرعة غريبة.
أسرع من الطبيعي.
ومترتبة أكتر من اللازم.
والدلوقتي...
في حد بيبعت لي رسائل وبيقول إنه محمود.
في الليلة دي، بعد ما العزاء خلص وكل الناس مشيت، رجعت بيتنا الكبير في المعادي.
بس البيت ما بقاش يحسسني بالأمان.
كان هادي هدوء يقلق.
الأنوار خاڤتة.
وصورة محمود لسه متعلقة في الصالة.
ونضارته على التربيزة.
وكوباية الشاي اللي شرب منها إمبارح الصبح لسه في مكانها.
أحمد ومصطفى قعدوا شوية.
رايحين جايين بين الأوض.
بيفتحوا الأدراج.
تليفوناتهم مش بتفصل.
وبيتوشوشوا كل ما يحسوا إني بعيدة عنهم.
ولما عديت من جنب المطبخ ومخدوش بالهم مني، سمعت مصطفى بيقول
لازم نخلص الموضوع ده قبل ما تبدأ تسأل وتنبش ورا رئيس المباحث.
أحمد رد عليه
أنا هجيب الدكتور بكرة. مع سنها وحالتها النفسية دلوقتي، الموضوع مش هياخد في إيدنا غلوة.
حسيت ببرودة ورعشة في جسمي كله.
ما فهمتش كل التفاصيل.
بس فهمت الكفاية اللي يخليني أموت من الړعب.
ړعب ما عشتوش طول حياتي.
ولما مشيوا أخيرًا، قفلت باب الشقة بالترباس وقفلته بالمفتاح.
وطلعت السلم ببطء.
ودخلت مكتب محمود.
المكان كان غرقان في السكون.
ريحة الخشب القديم...
وريحة برفانه اللي لسه ماراحتش من المكان.
وأول ما خطيت عتبة المكتب، الموبايل اتهز في إيدي تاني.
كانت صورة.
صورة لمكتب محمود.
المكتب الخشبي
الأنتيك المصنوع من خشب الجوز، اللي كان دايماً بيشيل فيه العقود المهمة، وعقود البيع، ورسايله القديمة.
في