جوزي الفقير حكايات زهرة

موقع أيام نيوز

ببطء شديد، وعيونه جت في عين جوزي مصطفى.. وبصوت يكاد يكون مسموع وهدومه غرقانة مية، قال
أنت.. أنت الأستاذ مصطفى الشافعي؟ رئيس الإدارة المركزية للرقابة المالية والمتابعة اللي منقول جديد؟!
الجمود حل على المكان، الكل مبقاش فاهم حاجة. أمي بتبص لطارق وبتبص لمصطفى وهي مش مستوعبة. أختي الكبيرة صړخت في إيه يا طارق؟ إيه اللي جاب مصطفى الغلبان ده لشغلك وشركتك المليونيرة؟!
طارق وقع على الكرسي وهو بيبكي بدموع حقيقية، كبريائه كله اتمسح في الأرض، وبص لأمي وقال بنبرة مکسورة
مصطفى الغلبان اللي كنتوا بتتريقوا عليه.. هو الراجل اللي في إيده يمضي بخړاب بيتي وسجني، أو ينجيني! هو رئيس اللجنة العليا اللي بقالنا شهر بنجري وراها وبنعرض ملايين عشان بس يرضى يقابلنا أو يمرر الورق، وهو رافض تماماً وقافل في وشنا كل الأبواب!
الكل لف بمصايب عيونهم ومصوبينها ناحية مصطفى، اللي قعد مكانه بكل هدوء، حط الشفشق على التربيزة، وبص لطارق بنظرة كلها حكمة وقار، مفيهاش أي شماتة، بس فيها قوة تزلزل الجبال.
أنا نفسي كنت قاعدة مذهولة، وبصيت لمصطفى ودموعي نازلة بس المرة دي دموع فخر مصطفى.. الكلام ده بجد؟
مصطفى طبطب على إيدي بحنية وقال بصوت يسمعه الكل
بجد يا منال.. أنا عمري ما حبيت أتكلم عن شغلي أو سلطتي وسط العيلة، وعمري ما حبيت أتباهى بمنصبي اللي ربنا كرمني بيه من كام شهر بعد ترقية كبيرة وتعيين سري في الرقابة. أنا دخلت البيت ده كإنسان، عايز ناس تشتريني لشخصي ولأخلاقي، مش لمنصبي وفلوسي. كنت دايماً بسكت على كلام حماتي وتقليلها مني، عشان كنت بقول دي ست كبيرة وأم مراتي وليها حق عليا، ولأني مش محتاج أثبت لحد أنا مين.
أمي رجليها مكنتش شايلاها، قعدت على أقرب كرسي وهي حاطة إيدها على قلبها، النبرة التريّاقية والضحكة الخبيثة اتمسحت تماماً من وشها. بصت لمصطفى بعيون مليانة ړعب وكسوف، مش قادرة حتى تنطق بكلمة واحدة، تفتكر كل كلمة تهزيق، وكل لقطة قللت فيها منه، وتفتكر جملتها الأخيرة فقير القوم خادمهم.
طارق زحف بركبه حرفياً لحد ما وصل لجنب كرسي مصطفى، ومسك في إيده وقال بنبرة ذل
أبوس إيدك يا مصطفى بيه.. اعتبرني أخوك الصغير، الورق اللي عندك لو اتمضى بالإدانة أنا هضيع وأخت مرتك وأولادي هيتشردوا. أنا عارف إني غلطت وكنت متكبر، بس عشان خاطر حماتك وعشان خاطر منال.. ارفع عني التقارير دي!
مصطفى سحب إيده بكرامة وهدوء شديد، ووقف على حيله وبص لطارق وقال
يا طارق بيه.. الفلوس اللي كنت بتتنطط بيها على الخلق، وبتعاير بيها الغلبان، طلعت مش بتاعتك، دي فلوس بلد وحق ناس غلابة أنت أكلته بالباطل والتهرب. مصطفى الشافعي مبيتحركش بأوامر من حد، ولا بيمضي على ورق حرام، ولا بيجامل على حساب ضميره ودينه وقسمه اللي أقسمه. القانون هياخد
مجراه، ولو ليك حق هتاخده، لو عليك حق.. هتدفعه تالت ومتلت.
الټفت مصطفى ليا، ومد إيده بكل حنان وقالي يلا بينا يا منال.. العزومة دي كدة خلصت بالنسبة لنا.
أمي وقفت وهي بترتعش، ودموعها نازلة، وحاولت تتكلم وتقول يا مصطفى يا ابني.. أنا..
مصطفى قاطعها بابتسامة حزينة بس مليانة عزة نفس وقالها
معذورة يا حماتي.. الفقر فعلاً بيوجع، بس فقر النفس والأخلاق هو اللي بيوجع بجد وېموت صاحبه وهو عايش. الفلوس بتروح وتيجي في ثانية، واليوم طارق كان فوق وبكرة تحت، بس الراجل بيفضل راجل بأصله ودينه. تصبحوا على خير.
أخدني مصطفى من إيدي وخرجنا من باب البيت، وأنا راسي مرفوعة للسما، حاسة إني متجوزة ملك، راجل هز العيلة كلها بأدبه قبل منصبه. ومن يومها، أمي مبقتش تقوى تحط عيونها في عيونه، وطارق دفع تمن طمعه وجشعه، وعرفوا كلهم إن القيمة مش في الجيب.. القيمة في النفس والأصل النضيف.

تم نسخ الرابط