سر اخي

موقع أيام نيوز

ليالٍ كثيرة مرت على تلك الغرفة الباردة في أطراف بيت العائلة القديم بمصر الجديدة، حيث كانت ندى تجلس مستندة بظهرها إلى الحائط، تستمع إلى صوت ضحكات شقيقها طارق القادمة من الصالة الخارجية. طارق، الابن الأثير، الفتى الذي لم يُخطئ قط في نظر والدتهما سعاد، حتى وإن أحرقت نيرانه الأخضر واليابس. كانت ندى، طوال ثلاثين عامًا، الكائن الهامشي الذي وُجد فقط ليمتص الصدمات، ليعتذر عن ذنوب لم ترتكبها، وليحمل فوق كتفيه عبء البيت السعيد الذي لم يكن سعيدًا إلا لطارق. في ذلك البيت، كانت المعادلة واضحة وصارمة ندى تضحي، وطارق يستهلك. حين كانت ندى تفوز بمركز في مسابقة القراءة، كان طارق ېمزق شهادتها لأنها أخذت اهتمامًا لا تستحقه، وحين كانت تبكي، تهرع الأم لتوبخها قائلة كلمتها الشهيرة التي تحولت مع السنوات إلى قيد من حديد ما تكبريش الموضوع... إنتِ عارفة أخوكي، طارق طيب بس شقي شوية، عدي الليلة عشان المركب تسير.
لكن المركب لم تكن تسير، بل كانت ټغرق بنى ندى ببطء. حتى جاء اليوم الذي اعتقدت فيه أن طوق النجاة قد ألقي إليها. التقت ب حسام، مهندس الديكور الهادئ الذي نظر إليها وكأنها مرئية لأول مرة، كأنها إنسانة لها حق في الفرح والمساحة. تقدم لخطبتها، ورغم محاولات طارق الخفية لتخريب الزيجة عبر افتعال الأزمات المالية وطلب مبالغ تعجيزية من حسام بحجة مهر أخته، تمكن حسام بحبه وإصراره من العبور بالخطبة إلى شاطئ الزفاف. كان هذا الزفاف بالنسبة لندى ليس مجرد ليلة، بل كان بوابة الخروج العظيم من سجن العائلة. وفي تلك الليلة المشهودة، في أحد أفخم فنادق القاهرة، كانت القاعة تتلألأ بأضواء دافية، والورد الأبيض يملأ الأركان بمنتهى الأناقة، وحوالي 180 معزومًا من صفوة المجتمع والأقارب يملأون المقاعد، بينما كانت فرقة الموسيقى تجهز آلاتها لتعزف لحن الرقصة الأولى، والجرسونات يتحركون بخفة لتوزيع المشروبات.
وسط هذا النقاء البصري، كانت ندى تقف بفستانها الأبيض كأميرة تُوجت أخيرًا بعد سنوات النفي. لكن عين المدرب الخبير بالخېانة لا تخطئ؛ لم تكن ندى مركزة في كلمات الغزل التي يهمس بها حسام في أذنها، بل كانت عيناها معلقتين بظل يتحرك بريبة. كان طارق. تقرب منها بابتسامته المعتادة، تلك الابتسامة الصفراء التي كان يستعملها منذ الطفولة ليمهد لكل مصېبة يرتكبها، متبوعًا بدموع تماسيح تبرئه وتدينها. وفي اللحظة التي انشغل فيها الجميع بترتيب المصور للقطة جماعية، مال طارق بجسمه مستغلاً حركته، وغطى كوب عصير ندى بطرف جاكيت بدلته الأسود، وبحركة خاطفة مدربة، رمى جوهر المشروب بودرة ذات لون فاتح تلاشت في السائل خلال ثوانٍ.
شاهدت ندى المشهد كاملاً، منعكسًا على مرآة عمود الرخام القريب. لم تصرخ، ولم ټضرب الطاولة، ولم تصنع المشهد الدرامي الذي كان طارق ربما ينتظره ليفسد ليلتها ويثبت للجميع أنها مختلة وتتوهم الأشياء. تذكرت في جزء من الثانية وثيقة الاستسلام التي وقعتها طوال ثلاثين عامًا بضغط من أمها. تذكرت كيف سرق طارق تحويشة عمرها قبل عام ليدخل بها مشروعًا فاشلاً، وكيف أجبرتها أمها على السكوت قائلة أخوكي هيروح في داهية لو بلّغتي، استحملي. لكن الليلة كانت مختلفة. الليلة هي ليلة حريتها، ولن تسمح للسم، أياً كان نوعه، أن يعيدها إلى القفص.
حسّت پدمها يتجمد، لكن عقلها كان يغلي ببرود لم تعهده في نفسها من قبل. حين الټفت طارق ليتحدث مع بنت عمهم التي نادته فجأة لالتقاط صورة سريعة، استغلت ندى تلك الثواني المعدودة. مالت نحو الطاولة، وبحركة رشيقة وسريعة
كحركة

تم نسخ الرابط