في عز العيد، أهلي رفضوا يدفعوا
اليوم الذي اتصلوا فيه بكِ، ووجدنا أنهم سحبوا مبلغ مليونين وثلاثمائة ألف جنيه كدفعة أولى فقط، لشراء اليخت الجديد الذي تتحدثين عنه، وكان المبلغ متوفراً في الحساب بسهولة تامة، ولم يكن هناك أي ضائقة مالية، كما ادعوا. هم لم يرفضوا الدفع لأنهم لا يملكون، بل لأنهم رأوا أن تكلفة علاجك هي خسارة لا تعود عليهم بأي منفعة، في حين أن اليخت يظهر ثروتهم ومكانتهم أمام الناس.
أغلقت سارة عينيها، ودموعها تجمدت في محاجرها، وشعرت أنها أصبحت أمام الحقيقة الكاملة، الحقيقة التي تشرح كل موقف وكل كلمة وكل تصرف، وأدركت أن ما بنوه من مجد وثراء لم يكن على أساس جهد وصدق، بل على ظلم الآخرين، وعلى تجاهل حقوقهم، وعلى حساب أي شيء لا يخدم مصلحتهم الشخصية.
فتحت عينيها مرة أخرى، ونظرت إلى المحامي، وقالت بصوت لم يعد فيه أي أثر للعاطفة، بل صوت الحق والعدالة
إذن، الآن نعرف أن هذا البنيان قائم على الرمال والدم والظلم. أريدك أن تبدأ في إجراءاتك القانونية، ولا تترك ثغرة واحدة. نريد استعادة كل ما تم الحصول عليه بطرق غير مشروعة، ونريد كشف كل هذه الحقائق أمام الجهات المختصة، وأمام الرأي العام، حتى يعرف الجميع من هم عائلة المنشاوي الحقيقيين. وأول شيء أريد فعله.. أن أعيد لأخي عليّ حلمه الذي باعه من أجلي.
الجزء الثالث
في اليوم التالي، توجهت سارة بصحبة المحامي إلى الحي الشعبي الذي يعيش فيه أخوها علي، حيث يقع ورشة جده القديمة، التي رهنها ليجمع مبلغاً زهيداً لم يكن يكفي حتى لشراء أدوية مسكنة لألم أخته. كان علي يقف أمام باب الورشة، حزيناً ومرهقاً، ينتظر يوماً آخر ليأتي ويأخذ ما تبقى من تراث أبيه وجده، بعد أن عجز عن سداد مبلغ الرهن.
عندما رآها قادمة، وعلى وجهها ملامح مختلفة، وبجانبها رجل يبدو عليه الهيبة والاحترام، استغرب واقترب منها بقلق سارة.. إيه اللي جابك هنا؟ رجلك أحسن؟ وهل.. وهل جمعتي الفلوس؟.
ابتسمت له سارة لأول مرة منذ شهور، ابتسامة دافئة مليئة بالامتنان والحنان، ووضعت يدها على كتفه، وقالت بصوت عالٍ مسموع جيت أرد لك أمانتك يا علي.. وجيت أرد لك حلمك اللي ضحيت بيه عشان خاطري.
أخرج المحامي صكوك الملكية، وشيكاً بالمبلغ الكامل، ودفع جميع مستحقات الرهن، وأعاد إليه أوراق الورشة الأصلية، وملكية كل ما فيها من أدوات ومعدات. تجمد علي في مكانه، واتسعت عيناه من الدهشة، ولم يستوعب ما يحدث، وقال بصوت مرتعش إزاي ده؟.. الفلوس دي جت منين؟ وأنا عارف إنكِ مش معاكِ حاجة، وإنهم رفضوا يساعدوكِ!.
جلست سارة بجانبه، وقصت عليه الحكاية كاملة، بدءاً من التذكرة، ومروراً بالاكتشافات، وحتى ما تخطط لفعله. استمع إليها علي والدموع تنهمر على خديه، شعر بالڠضب الشديد من تصرف والديه وأخته، لكنه شعر أيضاً بالفخر الشديد بأخته، وثقته بأن ما تفعله هو الحق، وأن العدالة يجب أن تتحقق.
أنا معاكِ في كل خطوة يا سارة.. ولا يهمني أي شيء، حتى لو خسرنا كل شيء، يكفي أننا نعيش بضمير نظيف ولا نأكل أموالاً حراماً، قالها علي بكل إصرار.
في تلك الأثناء، وفي القصر الفخم الكبير الذي تسكنه العائلة، كان الجو مليئاً بالفرح والتباهي، حيث كانوا يحتفلون بترسيم اليخت الجديد، وتجمع الأصدقاء والمعارف، وكلهم يمدحون ثروتهم ومكانتهم، ويتحدثون
عن نجاحهم المذهل. كان محمود المنشاوي يرتدي بدلة أنيقة، ويجلس في صدر المجلس، بينما زوجته توزع الابتسامات، وابنته هند تتباهى بملابسها ومجوهراتها، وتتحدث عن رحلاتهم القادمة على متن اليخت الجديد.
سأل أحدهم