في عز العيد، أهلي رفضوا يدفعوا

موقع أيام نيوز


الثاني
مرت ثلاثة أيام كأنها ثلاثة أعوام، لم تنم فيها سارة ساعة كاملة، ولم تترك فيها دقيقة واحدة تمر دون أن تمر أمام عينيها كل كلمة قيلت لها، وكل صوت سمعته من خلف سماعة الهاتف، وكل نظرة حزينة رأتها في عيني أخيها الصغير علي. كانت تجلس في غرفتها الصغيرة بالمستشفى، وعكازها بجانبها، وجرحها في الركبة يزداد وجعاً كلما زاد مرور الوقت، لكن الۏجع الأكبر كان في قلبها، جرحاً لا يشفى بالأدوية ولا بالعمليات، جرحاً سببه أقرب الناس إليها.
في الصباح الباكر من اليوم الرابع، وصلتها رسالة هاتفية من المحامي يوسف شكري، الرجل المعروف بنزاهته وقوته، والذي لا ېخاف أحداً ولا يتردد في كشف الحقائق مهما كانت مريرة. قال لها في الرسالة لقد بدأنا العمل، ووجدنا أول الخيوط.. وتأكدت أن الأمر ليس مجرد مظاهر وثراء عادي، بل هناك شيء كبير ومظلم يختبئ وراء كل مليم في هذه الإمبراطورية. أرجو الحضور إلى المكتب فوراً إذا كنتِ مستعدة لسماع ما قد يهز كيانك بالكامل.
ارتدت سارة ملابسها العسكرية النظيفة، ووضعت عكازها، وسارت ببطء وثبات، وعلى وجهها ملامح لم يعد فيها أي أثر للضعف أو التوسل، بل صلابة وعزيمة جعلتها تبدو وكأنها تحمل فوق كتفيها جبالاً من الحق والعدالة. دخلت المكتب الفخم، وجلست أمام المحامي، الذي وضع أمامه ملفاً سميكاً جداً، ونظر إليها نظرة تعاطف واحترام في آن واحد.
أعرف أن ما سأقوله قد يكون صعباً جداً عليكِ، خصوصاً أنه يخص والدك وعائلتك، لكنني وعدتكِ بالحقيقة كاملة، وسأعطيكِ إياها دون أي تجميل، قالها المحامي بصوت هادئ.
أومأت سارة برأسها، وقالت بصوت ثابت لا تخف عليّ، لقد تحطمت في داخلي كل الصور الجميلة التي كنت أراها لهم، ولم يعد هناك شيء يفاجئني أو يكسرني أكثر مما فعلوه بي بالفعل. تفضل.. قل كل ما وجدته.
بدأ المحامي يشرح، وكل كلمة يخرج بها كانت تفتح باباً جديداً من الحقيقة المرعبة
والدك محمود المنشاوي بدأ عمله منذ أكثر من عشرين عاماً برأس مال صغير، لكنه ارتفع بسرعة خيالية لا يمكن تفسيرها بالطرق المشروعة وحدها. لقد تتبعنا العقود الأولى، ووجدنا أن أول صفقة كبرى حصل عليها كانت لبناء وحدات سكنية في منطقة نائية، وقد تم تمويلها بقرض ضخم من جهة لم يعلن عنها، ولم يسدد هذا القرض أبداً، بل تم إلغاؤه بطريقة ملتوية بعد أن تم نقل ملكية المشروع بالكامل لشركته الخاصة.
ثم اكتشفنا ما هو أخطر لقد كان يستخدم اسم الجمعيات الخيرية التي أنشأها كواجهة لغسيل الأموال، وجمع التبرعات بملايين الجنيهات، ولم يصل منها شيء إلى المحتاجين، بل ذهبت كلها لتوسيع أعماله وشراء الأراضي والقصور واليخوت. لكن أكبر چريمة اكتشفناها هي ما حدث قبل سبع سنوات، حين كان يعمل في مشروع طريق زراعي في منطقة بنها.. المشروع الذي كان مسؤولاً عنه، وحدث فيه حاډث اڼهيار جسر تسبب في ۏفاة خمسة عمال وإصابة آخرين، لكنه أخفى الحاډث، ودفع عائلاتهم مبالغ زهيدة جداً مقابل التزام الصمت، وقدم تقريراً رسمياً مزوراً يثبت أن الحاډث كان نتيجة ظروف طبيعية لا دخل له فيها، ونجا من المساءلة بفضل علاقاته وماله.
توقفت الكلمات هنا، وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة، وبدأت سارة تشعر ببرودة تسري في عروقها، لكنها لم تفقد وعيها، بل ازدادت إصراراً. سألت
بصوت هامس وهل هناك أكثر من ذلك؟ هل هناك ما يربط هذا المال مباشرة بمنع علاجي؟.
أجاب المحامي وهو يفتح صفحة أخرى من الملف نعم.. لقد تتبعنا الحسابات في نفس
 

تم نسخ الرابط