قبل إغلاق النعش بثوانٍ... ابنها الصغير كشف السر الذي أخفته
أن ينظر حوله بقلق.
انتقل علي للعيش معي.
في البداية لم يكن يفارق الديناصور القماشي.
رغم أنه أصبح فارغًا.
كان ينام والضوء مضاءً.
ويستيقظ كلما اهتز أي هاتف قريب منه.
ذلك الصوت الذي أنقذ الحقيقة.
ترك داخله خوفًا أيضًا.
أخذته إلى جلسات الدعم النفسي.
وذهبت أنا كذلك.
رغم أنني كنت أقول في البداية إنني لا أحتاجها.
لكنني كنت أكذب على نفسي.
كنت أحتاجها لأتخلص من شعور الذنب.
لأنني لم أصر على معرفة ما كانت زهراء تحاول إخباري به.
ولأفهم أن الإنسان لا يستطيع دائمًا إنقاذ من يحب.
لكنه يستطيع حماية ما حاول ذلك الشخص حمايته حتى اللحظة الأخيرة.
عاد منزل أمي تدريجيًا إلى شيء يشبه الحياة.
ليس كما كان.
ولن يعود كما كان أبدًا.
أحيانًا يساعد علي في سقي النباتات.
وأحيانًا يجلس أمام صورة والدته ويحكي لها ما حدث معه في المدرسة.
وتعد له أمي المشروب الساخن الذي كانت تحاول تقديمه له في ليلة العزاء.
لكنها الآن تنتظر حتى يطلبه بنفسه.
لم يجبره أحد على النسيان.
وفي الوقت نفسه لم نسمح له بالبقاء أسير تلك الليلة.
فزهراء لم تفعل كل ما فعلته ليظل ابنها متعلقًا بنعشها.
بل فعلته ليخرج من ذلك المنزل ومعه الحقيقة.
احتفظت بالهاتف القديم.
وبالذاكرة الإلكترونية.
وبالسوار الذي كانت ترتديه زهراء في معصمها.
ليس بدافع الفضول.
بل لأنها تذكير دائم لي.
بأن أختي، رغم خۏفها، ورغم معرفتها أن أحدًا قد لا يصدقها في الوقت المناسب، لم تتوقف عن التفكير.
ولم تتوقف عن التخطيط.
ولم تتوقف عن حب ابنها.
أما ذلك الفستان الخمري الذي كرهته في البداية، فقد تحول في نظري إلى آخر خزنة أسرار صنعتها زهراء بنفسها.
كان حيدر يظن أنه اختاره لډفنها بسرعة.
لكنه لم يكن يعلم أنها أخفت بداخله الصوت الذي سيوقفه.
اليوم يبلغ علي أحد عشر عامًا.
وأحيانًا يسأل عن والدته بنضج يفوق عمره.
يسألني
هل كانت أمي تعرف أنها ستموت؟
فأجيبه بأصدق إجابة أملكها
كانت تعرف أن شيئًا سيئًا قد يحدث، ولذلك فعلت كل ما تستطيع حتى لا تبقى الحقيقة مدفونة.
يهز رأسه بهدوء.
ويحتضن ديناصوره الذي تم إصلاحه من جديد.
ولا يبكي دائمًا.
أحيانًا يكتفي بالنظر من النافذة.
بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إلى النعش تلك الليلة.
وكأنه ما زال يحرس وعدًا.
أما أنا، فلم أسمع منذ ذلك اليوم اهتزاز هاتف يشبه ذلك الاهتزاز.
وكلما سمعت رنينًا أو اهتزازًا فوق طاولة، ينقبض قلبي للحظة.
لكنني أتذكر بعدها أن ذلك الطنين المعدني القصير كان الصوت الذي تحدثت به أختي بعدما لم تعد قادرة على الكلام.
في ليلة العزاء، ظن الجميع أن علي كان تائهًا بسبب الصدمة عندما طلب ألا يُغلق النعش.
لكنه لم يكن تائهًا.
كان ينفذ آخر وصية تركتها له والدته.
وبفضل ذلك الطفل الصغير، الذي امتلك شجاعة أكبر من جميع الكبار الموجودين في تلك الغرفة، لم تُدفن زهراء باعتبارها ضحېة حاډث عرضي.
بل وُدعت، أخيرًا، والحقيقة إلى جانبها.