في جنازة زوجي، استلم أولادي العمارات والشقق

موقع أيام نيوز

الذي كان ينتظرني منذ سنوات دون أن أعلم.
في سروة التي استقبلتني وكأنها تعرفني منذ عمر.
في النساء اللواتي يمكن للمؤسسة أن تمنحهن مأوى وكرامة بعدما لفظتهن عائلاتهن.
وفكرت في أبي علي.
وهو يكتب رسالته بيد متعبة ترتجف من المړض.
وهو يحاول للمرة الأخيرة أن يحميني.
وأن يترك لي شيئًا لا يستطيع أحد انتزاعه مني.
شيئًا يجعلني مرئية أخيرًا بعد عمر كامل من الاختفاء خلف احتياجات الآخرين.
فرفعت رأسي وقلت
نعم... سأعود.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وأضفت
لكنني لن أبقى هناك.
بعد شهر عدت إلى بغداد.
ولم أذهب إلى بيت أي واحد من أولادي.
ولم أتصل بأحد منهم.
ذهبت مباشرة إلى قبر أبي علي.
كنت أحمل باقة كبيرة من الزهور البيضاء التي كان يحبها.
جلست إلى جوار قپره.
وضعت الزهور فوق الرخام.
ثم أخرجت رسالته من حقيبتي.
وضممتها إلى صدري.
وقلت بصوت خاڤت حملته الريح بعيدًا
يا لك من رجل عنيد يا أبا علي.
ثم ضحكت بين دموعي.
جعلتني أبكي وسط غرفة مليئة بالغربان... لكنك أنقذتني في النهاية.
لم أبع البيت القديم.
رممت السقف.
وجددت الجدران.
وأصلحت ما أفسدته السنوات.
ثم سلمت مفاتيحه إلى جار قديم كنت أثق به.
أما في المطبخ...
في المكان نفسه الذي وضعت عليه تذكرة السفر يوم ظننت أنها أكبر إهانة في حياتي...
فقد علقت نسخة مؤطرة من تلك التذكرة فوق الحائط.
ليس كي أتذكر الألم.
بل كي أتذكر الباب.
بعد ستة
أشهر افتتحت مؤسسة أمينة حسن أول دار لرعاية النساء المسنات على أرض مزرعة الأخوين.
وصلت أول مجموعة من النساء في صباح هادئ.
ثلاث نساء من بغداد والبصرة والموصل، وامرأتان من كردستان.
وكان التعب ظاهرًا في وجوههن جميعًا.
وجوه نساء قضين أعمارهن يطلبن الإذن كي يعشن.
إحداهن تركها أبناؤها في المستشفى ولم يعودوا إليها.
وأخرى جاءت تحمل حقيبة بلاستيكية صغيرة تحتوي كل ما تبقى لها من الدنيا.
وثالثة كانت لا تتوقف عن الاعتذار كلما طلبت كوب ماء أو قطعة خبز.
استقبلتهن بالقهوة الساخنة.
والخبز الطازج.
وطبق كبير من الطعام أعددته بنفسي.
لم أكن أعرف شيئًا عن إدارة المؤسسات.
لكنني تعلمت.
كما تعلمت يومًا كيف أعتني بمريض طريح الفراش.
وكما تعلمت قراءة الفواتير الطبية المعقدة.
وكما تعلمت النوم جالسة على كرسي المستشفى ليالي طويلة.
وكما تعلمت أخيرًا...
متأخرة جدًا...
أن الټضحية ليست دائمًا حبًا.
وأن الحب الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يختفي بالكامل.
أرسل أولادي رسائل قانونية.
ثم إنذارات.
ثم تهديدات.
ثم...
صمتًا كاملًا.
وكان ذلك الصمت أجمل هدية حصلت عليها منهم طوال سنوات طويلة.
هل آلمني الأمر؟
نعم.
بالطبع آلمني.
فالأم لا تستطيع أن تقتلع أبناءها من قلبها دون أن ټنزف.
لكنها تستطيع أن تغلق الباب أخيرًا عندما تكتشف أن من يدخلون منه لا يفعلون ذلك حبًا بها، بل طمعًا فيما تملك.
وفي عصر أحد الأيام الهادئة، كنت أجلس في شرفة المزرعة أراقب الضباب الأبيض وهو يهبط ببطء فوق التلال الخضراء.
وكانت سروة تغني أغنية قديمة داخل المطبخ.
بينما كانت إحدى السيدات تسقي الأزهار.
وكانت أخرى تضحك عبر الهاتف بعد أن اتصلت بها حفيدتها لتطمئن عليها للمرة الأولى منذ سنوات.
أخرجت الصورة القديمة.
صورة أبي علي وحسن.
شابان يقفان أمام الكاميرا.
ولا يعرفان أن أسرارهما ستعبر كل هذه السنوات لتغير حياة امرأة كاملة.
نظرت إلى الصورة.
ثم رفعتها قليلًا
وهمست
وجدتها يا أبا علي.
وجدت
الشيء الصغير.
التذكرة.
الظرف.
الرحلة الطويلة.
الابتسامات الساخرة.
والباب.
وفهمت أخيرًا لماذا ضحك أولادي يومها.
لقد ظنوا أنهم يطردونني من حياتهم.
ولم يدركوا أبدًا أن أبا علي كان يفتح لي بابًا جديدًا.
بابًا نحو نفسي.
لقد ترك لي تذكرة ذهاب فقط.
لأنه كان يعلم أنني بعد عمر كامل قضيته أعيش من أجل الجميع...
كنت بحاجة أخيرًا إلى أن أتعلم حقيقة واحدة
أن البيت ليس الجدران التي نعيش بينها، ولا الأشخاص الذين نحمل أسماءهم.
البيت هو المكان الذي تشعر فيه أنك مُرحَّب بك دون أن تدفع ثمنًا من كرامتك.
ولهذا ترك
لي زوجي تذكرة ذهاب فقط...
لأنه
كان يعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا عندما نتوقف عن العودة إلى الأماكن التي كسرت قلوبنا.

تم نسخ الرابط