في جنازة زوجي، استلم أولادي العمارات والشقق

موقع أيام نيوز

جيدًا.
كنت قد بقيت في المنزل لأرعى أحفادي.
أما أبو علي فأخبرني يومها أنه مسافر لمراجعة طبيب متخصص.
شعرت بوخزة صغيرة في قلبي.
ليس بسبب الرحلة نفسها.
بل بسبب السر الذي احتفظ به كل تلك السنوات.
همست وأنا أحدق في الصورة
لماذا لم يأخذني معه؟
كان قيس ينظر إلى التلال الممتدة أمامنا.
ثم قال بهدوء
لأنه كان يعرف أولادك جيدًا. كانوا يتابعون حساباته وأملاكه منذ سنوات، وكان يخشى أنهم إذا علموا بأمر هذه الممتلكات فسيحاولون الضغط عليك للتصرف فيها. كما كان يعلم أنكِ لن تتركيه وتسافري بعيدًا وهو يصارع المړض.
وأدركت أنه كان محقًا.
فلو طلب مني الرحيل يومها...
لما تركت جانبه أبدًا.
وبحلول الظهيرة بدأ هاتفي يهتز بلا توقف.
علي.
ثم زهراء.
ثم سارة.
ثم عشرات الرسائل المتلاحقة.
أمي أين أنت؟
يجب أن نتحدث بشأن الوصية.
لا يصح أن تختفي هكذا.
هناك مشكلات قانونية كبيرة.
ابتسمت رغم نفسي.
كم هو غريب أن يتذكر الأبناء أمهم فجأة عندما يكتشفون أن لديها شيئًا ما يحتاجون إليه.
وضعت الهاتف جانبًا.
ولم أرد على أحد.
وفي تلك الليلة جلس قيس معي في الشرفة المطلة على المزارع.
وأخذ يشرح لي كل شيء بصبر كبير.
الأوراق التي يجب أن أوقعها.
والإجراءات التي ينبغي إتمامها.
وكيفية تثبيت ملكيتي القانونية لما تركه أبو علي وحسن.
وما إذا كنت أرغب في الإشراف على المزرعة بنفسي أو ترك الإدارة اليومية لمن يتولى ذلك.
ثم بدأ يشرح لي السجلات الرسمية والتوكيلات القانونية والحسابات البنكية والإجراءات المتعلقة بالممتلكات.
كنت أستمع إليه بصمت.
وأشعر أنني أقف على أعتاب عالم جديد تمامًا.
عالم لم أتخيل يومًا أن أكون جزءًا منه.
عالم أكبر بكثير من امرأة أمضت معظم عمرها بين المطبخ وغرفة المړض وسداد الفواتير.
وأخيرًا كسرتُ الصمت.
ونظرت إلى قيس وقلت بصوت خاڤت
لا أعرف إن كنت قادرة على كل هذا.
كنت أنظر إلى الأوراق المكدسة أمامي وكأنها تتحدث بلغة لا أفهمها.
عقود.
ومؤسسات.
وحسابات.
وأملاك.
ومسؤوليات لم أتخيل يومًا أنها ستوضع فوق كتفي.
فأنا لم أكن سيدة أعمال.
ولم أدر شركة.
ولم أجلس يومًا خلف مكتب فاخر أتخذ القرارات.
كنت مجرد امرأة عاشت عمرها كله بين جدران بيتها.
ترعى زوجها.
وتربي أبناءها.
وتحاول أن تجعل الأيام تمر بأقل قدر ممكن من الخسائر.
لكن سروة، التي كانت تصب القهوة بهدوء، وضعت الإبريق على الطاولة ونظرت إليّ مباشرة.
ثم قالت بحزم
يا أمينة... أنتِ المرأة نفسها التي كانت ترفع أبا علي من سريره عندما عجزت قدماه عن حمله.
وسكتت لحظة.
ثم أضافت
صدقيني... الأوراق أسهل كثيرًا من حمل إنسان تحبينه وهو يذبل أمام عينيك.
ابتسمت رغم الدموع التي ملأت عيني.
لأنها كانت محقة.
محقة أكثر مما تتصور.
بعد ثلاثة أيام فقط...
وصل أولادي إلى أربيل.
لا أعرف كيف عثروا على العنوان.
ربما من خلال الأوراق الرسمية.
وربما لأن المال يمنح بعض الناس قدرة عجيبة على البحث عندما يخشون أن يفقدوا شيئًا منه.
لكنهم وصلوا.
وصلوا غاضبين.
ومتوترين.
ويرتدون ملابس رسمية أنيقة وكأنهم
ذاهبون إلى اجتماع تجاري لا إلى منزل أمهم.
دخلت زهراء أولًا.
ودون أن تلقي السلام حتى، قالت بعصبية
أمي... ماذا تفعلين هنا بالضبط؟
كنت أجلس قرب النافذة الكبيرة.
أحتسي قهوتي بهدوء.
وأراقب المطر وهو يهبط فوق الأشجار.
رفعت بصري إليها وقلت
أتناول فطوري.
نظر علي حوله بانبهار واضح.
كانت عيناه تتنقلان بين الجدران والأثاث واللوحات القديمة.
ثم سأل
هل كان أبي يملك هذا المكان؟
أجبته بهدوء
لا.
هذا المكان كان ملكًا لحسن.
قطب حاجبيه.
وقال بانفعال
ومن يكون حسن أصلًا؟
في تلك اللحظة خرج قيس من المكتب المجاور.
وكان يحمل حقيبته
الجلدية المعتادة.
فقال بهدوء مهني
أرجو أن تتذكروا أنكم داخل ملكية خاصة.
أطلقت سارة ضحكة ساخرة.
وقالت
نحن عائلة.
نظرت إليها طويلًا.
ثم وقفت من مكاني ببطء.
وقلت
غريب...
تذكرتِ أننا عائلة الآن فقط؟
ألم تكونوا عائلة أيضًا عندما ضحكتم على تذكرة سفري؟
ساد الصمت للحظة.
وشدت زهراء فكها بقوة.
ثم قالت
أمي... لا تبالغي.
لقد كانت مجرد مزحة.
هززت رأسي ببطء.
وقلت
لا يا زهراء.
لم تكن مزحة.
كانت راحة.
كنتم تظنون
أنكم تخلصتم مني.
ارتفع صوت
تم نسخ الرابط