في جنازة زوجي، استلم أولادي العمارات والشقق

موقع أيام نيوز

أمينة حسن
حدقت في الكلمات.
مرة.
ثم مرتين.
حتى أصبحت الحروف ضبابية أمام عيني.
قلت بصوت مرتجف
لا أفهم.
ابتسم قيس.
وقال
هناك بساتين شاسعة في جبال أربيل.
ومنزل تراثي كبير داخل المدينة.
وحصص حاكمة في شركة تصدير.
وحسابات مصرفية تكفي للحفاظ على كل ذلك لعقود طويلة.
ومؤسسة خيرية كاملة لرعاية النساء المسنات اللواتي تخلى عنهن أبناؤهن.
وضعت يدي فوق صدري.
وسألته
مؤسسة خيرية؟
أومأ برأسه.
وقال
وأبو علي عيّنك رئيسة لها مدى الحياة.
خرجت مني ضحكة مرتجفة.
وقلت
أنا بالكاد أكملت تعليمي.
ابتسم قيس.
وقال
أبو علي قال إن امرأة أدارت بيتًا ستة وأربعين عامًا، وتحملت مرضًا طويلًا، وربّت عائلة كاملة... قادرة على إدارة أي مؤسسة في العالم.
عندها فقط انهرت.
بكيت كما لم أبكِ منذ سنوات.
دفنت وجهي بين كفيّ.
وبكيت بكاء امرأة ظلت قوية أكثر مما ينبغي.
انتظر قيس بصمت حتى هدأت.
ثم دفع الرسالة نحوي.
وقال
أوصاني أن تقرئيها هنا.
مزقت الظرف بيدين مرتجفتين.
وكان خط أبي علي واضحًا رغم اهتزازه.
أمينة...
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أن أولادنا فعلوا ما كنت أخشاه.
ضحكوا على الظرف.
وظنوا أنني أرسلتك بعيدًا بلا شيء.
سامحيني لأنني سمحت لتلك اللحظة أن تؤلمك.
لكن كان عليّ أن أوصلك إلى هنا دون أن يثير الأمر شكوك أحد.
فلو تركت لك شيئًا في بغداد، لدخلوا
في نزاعات لا تنتهي حتى ينتزعوه منك.
أما ما تركته هنا...
فلا يستطيع أحد الاقتراب منه.
شددت قبضتي على الرسالة.
وأكملت القراءة.
حسن كان أخي.
والإنسان الوحيد الذي علمني أن الډم وحده لا يصنع عائلة.
أما أنتِ يا أمينة...
فكنتِ عائلتي الحقيقية.
كنتِ سندي عندما خذلني جسدي.
وكنتِ بيتي عندما ضاقت الدنيا.
أنا لا أترك لك ثروة كي ترتاحي فقط.
بل أترك لك مكانًا لن ينظر إليك فيه أحد يومًا وكأنك عبء أو مشكلة.
ارتجفت شفتاي وأنا أتابع القراءة.
إذا أردتِ العودة إلى بغداد فعودي.
وإذا أردتِ البقاء فابقي.
لكن لا تعودي أبدًا لتطلبي الإذن من أحد.
لقد دفعتِ ثمن حبك لهم أكثر مما ينبغي.
أما السطر الأخير فكان باهتًا بالكاد يُقرأ.
لكنه ما زال واضحًا
لا تحكمي على الأشياء من حجمها...
تذكرة السفر كانت الباب.
ضممت رسالة أبي علي إلى صدري بقوة، وكأنني أخشى أن تنتزعها الأيام مني كما انتزعت صاحبها.
ولأول مرة منذ يوم الچنازة، لم أشعر أن زوجي يرقد تحت التراب بعيدًا عني.
بل شعرت أنه يجلس إلى جواري.
هادئًا كعادته.
عنيدًا كعادته.
يرتب أموره بطريقته الخاصة حتى بعد رحيله.
متأخرًا كعادته...
لكنه ما زال يحميني.
قطع قيس صمتي وهو يقول
هناك أمر آخر.
رفعت بصري إليه.
وقلت بتنهيدة متعبة
يبدو أن المۏتى لا يرحلون قبل أن يتركوا خلفهم مفاجأة أخيرة.
ابتسم ابتسامة خفيفة ثم قال
أولادك تواصلوا مع شركائنا القانونيين هذا الصباح.
شعرت بانقباض مفاجئ في صدري.
كيف عرفوا؟
هز رأسه وقال
هم لا يعرفون أين أنتِ الآن، لكنهم بدأوا البحث خلف الوصية. وقد تواصلوا بالفعل مع مكتب كاتب العدل في بغداد بعدما اكتشفوا أن بعض العقارات التي آلت إليهم ترتبط بالتزامات مالية كبيرة.
عقدت حاجبيّ باستغراب.
التزامات مالية؟
عدل نظارته
وقال بهدوء
أبو علي لم يترك لهم أملاكًا عديمة القيمة، بل ترك لهم ما ظلوا يطالبون به طوال سنوات. العمارات، والسيارات، والأراضي، والحسابات التجارية.
ثم أضاف
لكنه ترك لهم أيضًا كل ما يتعلق بتلك الممتلكات من التزامات ديون وقروض والتزامات مالية. كما وضع بندًا قانونيًا صارمًا يمنعهم من الطعن في الجزء الخاص من الوصية. وإذا حاولوا المطالبة بأي ممتلكات أخرى خارج العراق، فإنهم سيفقدون جزءًا مهمًا من حقوقهم فيما ورثوه بالفعل.
تجمدت في مكاني.
لم يكن الأمر انتقامًا.
ولم يكن عقابًا.
بل كان مرآة.
مرآة تركها أبو علي أمام أولاده ليروا فيها أنفسهم
كما هم.
لقد اندفعوا نحو المال دون أن يتوقفوا لحظة لقراءة التفاصيل.
تمامًا كما كانوا يندفعون نحوي كلما احتاجوا إلى مال أو خدمة أو معروف.
ثم يختفون فور حصولهم على ما يريدون.
دون سؤال.
دون اهتمام.
دون
أن يتذكر
تم نسخ الرابط