زيارة امي حكايات زهرة
مع أمي الشنط بتاعتها. طارق كان واقف مذهول ومبرق، مش مصدق القوة اللي نزلت عليا فجأة. خرجنا من الشقة وقفلنا الباب ورا صوت رزعته كانت بداية لحياة جديدة.
وأنا نازلة على السلم، أمي كانت بټعيط وتقول يا بنتي شمتي فينا الناس، وخربتي بيتك، هتقولي إيه لأبوكي وأعمامك في البلد؟.
أخدتها في حضڼي وقولتلها هقولهم إني رجعتلكم بكرامتي يا أمي. الكرامة مابتتجزأش، واللي ملوش خير في أهل مراته، ملوش خير في عياله.
رجعنا البلد. أول ما دخلنا بيت عيلتنا، الكل اټصدم. أبويا لما عرف القصة، اتغيرت ملامحه تماماً. كنت فاكرة إنه هيزعقلي ويقولي ارجعي لجوزك، بس أبويا راجل صعيدي أصيل بيجري في عروقه الډم الحامي. وقف وضړب كف على كف وقال عفارم عليكي يا بنتي.. لو كنتي وافقتي تهيني أمك عشان تعيشي معاه، مكنتش هعتبرك بنتي ولا كنت هيدخل بيتي قرش من وراه. إحنا ناس مابنبيعش كرامتنا بفلوس الدنيا كلها.
أعمامي وإخواتي كلهم وقفوا معايا وقفة رجالة. حسيت ساعتها بمعنى كلمة أهل وضهر. الشهور الأولى للحمل عدت عليا وأنا بحاول أسترد نفسي، طارق مكنش بيبطل بعت رسايل ټهديد ووعيد، تارة يبعت ناس يصالحوني بشرط إني أرجع أعتذر له وأبوس إيده قدام أهله، وتارة يهددني إنه هيسقطني أو ياخد الولد أول ما يتولد.
بس أنا مكنتش زهرة الضعيفة بتاعة زمان. وكلت محامي شاطر من طرف أعمامي، وبدأنا نرفع قضايا النفقة والتمكين والمؤخر. طارق افتكر إننا ناس غلابة ومش هنعرف نجاري مصاريف المحاكم، بس اتفاجئ إن عيلتي كلها وقفت ورايا ودفعت الغالي والنفق لجل ما يجيبوا حقي.
مرت الشهور، وجات لحظة الولادة. خلفت ولد زي القمر، سميته عبد الرحمن على اسم أبويا. طارق لما عرف، جه المستشفى ومعاه أهله، وكانوا جايين بنبرة من التعالي، فاكرين إن بوجود الطفل هبقى مکسورة وهوافق بأي شروط.
دخل الأوضة وبص للبيبي، وبعدين بصلي وقال خلاص يا زهرة.. لعب العيال ده ينتهي، الولد ده مش هيتربى في الفلاحين. هترجعي معايا القاهرة، وتنسي كل اللي حصل، بس مفيش مخلوق من أهلك يعتب بيتي تاني.
ضحكت ضحكة عالية سمعت الأوضة كلها، لدرجة إن أمه اتهزت من الثقة اللي في عيني. قولتله انت لسه عايش في الوهم يا طارق؟ انت لسه فاكر نفسك محور الكون؟ أنا اطلقت منك طلاق بائن، وقضية الخلع والطلاق للضرر شغالة، والمحكمة حكمتلي بتمكين من الشقة، وبنفقة متعة وعدة وأجور للطفل تكسر ضهرك. الولد ده هيتربى هنا، وسط الأصول والكرم والنظافة الحقيقية.. نظافة القلب.
أبوه حاول يتكلم بلهجة ټهديد، بس لقى إخواتي وأعمامي داخلين الأوضة، طوال وعراض، ووشوشهم صارمة. عمي الكبير حط إيده على كتف طارق وقاله بلهجة صعيدية حاسمة يا بشمهندس.. خطوتك هنا لجل ما تشوف ابنك وبس، غير كدة، ملكش كلام مع حريمنا. حق
بنتنا هناخده بالقانون، وإذا فكرت تلعب بديلك، البلد هنا مابتسيبش حقها.
طارق حس بالصغر والنقص وسط الرجالة بجد، وأدرك إن الفلوس والعربيات الفخمة مابتشتريش رجولة ولا بتغطي على النقص الإنساني. أخد ديله في سنانه وخرج هو وأهله، وعينه في الأرض.
تمر الأيام، وعبد الرحمن دلوقتي كبر وبقى عنده سنتين. أنا ملقيتش نفسي في قعدة البيت؛ نزلت كملت تعليمي المفتوح، واشتغلت في جمعية زراعية وتجارية في البلد، وبقيت بساعد أبويا وإخواتي في الشغل، وليا كياني وكلمتي وسط الناس.
طارق حاول يرجع كذا مرة بعد ما لقى القضية قفلت في وشه، وبعد ما شقته بقت متمكنة ليا بقوة القانون، وبقى بيدفع مبالغ ضخمة كل شهر وهو ذليل، بس أنا قفلت الباب ده تماماً.
كل يوم الصبح، ببص لأمي وهي شايلة ابني عبد الرحمن وبتلعبه وتأكله الفطير والجبنة القديمة، وبفتكر اليوم اللي وقفت فيه على الباب وبقول لنفسي الحمد لله إني اخترت صح.. الحمد لله إني اخترت كرامة أمي.
لأن البيوت اللي بتبتني على كسر الخواطر وإهانة الأهل، هي بيوت من قش، أول ريح بتطيرها. أما الكرامة والأصول، فهي الجدران الحقيقية اللي بتعيش وتدوم، والطفل اللي يتربى في حضڼ أم عزيزة النفس، بيطلع راجل بجد، مبيطاطيش لحد.