ابن اخويا كان بيزورني كل اسبوع
رنة تليفون.
طريقته وهو بيخبي الأكل في المناديل.
كلها حاجات كانت قدامي.
بس أنا ما فهمتهاش.
تاني يوم الصبح صحيت ياسين.
حضرتله الفطار.
ولاحظت إنه بيحط نص الساندوتش في الشنطة.
قلت له
ليه مبتاكلوش كله؟
اتوتر فورًا.
وقال
عادي.
قلت
خده معاك للمدرسة؟
هز راسه بالنفي.
وسكت.
بعد شوية قال
لو جعت بالليل.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
طفل عنده 8 سنين.
بيفكر في جوع الليل من أول الصبح.
بعد ما نزل المدرسة، قررت أروح لأخويا.
خبطت الباب.
مراته فتحت.
اسمها هالة.
وشها كان مرهق بشكل غريب.
قلت
سامح موجود؟
قالت بتوتر
نزل الشغل.
ولأول مرة أخد بالي من حاجة.
هي نفسها كانت خاېفة.
مش متوترة بس.
خاېفة.
دخلت أقعد شوية.
وبين الكلام سألتها
ياسين عامل إيه؟
لقيتها سكتت.
وبعدين قالت
الحمد لله.
لكن عينيها كانت بتقول حاجة تانية.
قبل ما أمشي بدقائق، دخلت المطبخ أشرب مية.
ولقيت ورقة صغيرة ملزوقة جوه ضلفة المطبخ.
كان مكتوب عليها بخط طفل
أنا آسف.
تحتها نجمة صغيرة مرسومة بقلم أزرق.
عرفت فورًا إنه خط ياسين.
ليه طفل يعلق ورقة اعتذار في مطبخ بيته؟
اعتذار عن إيه أصلًا؟
خرجت وأنا قلبي تقيل.
وفي نفس اليوم رحت المدرسة.
بحجة إني عايز أطمن عليه.
المدرسة كانت محترمة.
والمدرسة النفسية هناك وافقت تتكلم معايا بعد ما عرفتها إني عمه.
أول سؤال سألتني إياه كان
حضرتك قريب جدًا من ياسين؟
قلت
آه.
بصتلي ثانيتين.
وقالت
كويس.
قلبي انقبض.
قلت
ليه؟
قالت
لأن الولد محتاج شخص آمن في حياته.
الكلمة خلتني أتوتر.
فسألتها
فيه
حاجة؟
قالت بحذر
إحنا بنلاحظ عليه خوف زائد عن الطبيعي.
بيعتذر باستمرار.
وبيتوتر من أي خطأ بسيط.
ولما بيجيب درجة أقل من الكاملة بيبكي ساعات.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
هو طفل ذكي جدًا... لكنه عايش تحت ضغط
متابعة القراءة
كبير.
رجعت البيت
وأنا حاسس إني شايل جبل فوق صدري.
وفي المساء جه ياسين كعادته.
لكن المرة دي كان ساكت أكتر من المعتاد.
قعد على الكنبة.
وبعدين قال فجأة
عمو شريف؟
قلت
نعم.
قال
لو طفل ساب البيت... يبقى وحش؟
اټصدمت.
لكن حاولت أجاوب بهدوء.
قلت
لا طبعًا.
حسب السبب.
بص للأرض.
وقال
ولو كان خاېف؟
هنا فهمت.
هو مش بيسأل عن طفل تاني.
هو بيسأل عن نفسه.
قربت منه.
وقلت
الطفل اللي بېخاف محتاج حد يحميه.
أول ما قلت الجملة دي...
الولد اڼفجر في البكاء.
بكاء مكتوم.
بكاء طفل حاول يبقى قوي فترة أطول من عمره.
فضل يبكي وأنا ساكته.
لحد ما قال وسط دموعه
أنا بحاول أبقى كويس.
والله بحاول.
بس بابا دايمًا زعلان.
حطيت إيدي على كتفه.
وقلت
إنت مش مطلوب منك تبقى كامل.
إنت طفل بس.
في اللحظة دي بالذات...
سمعنا صوت خبط عڼيف على الباب.
خبط خلى ياسين ينتفض من مكانه.
ووشه فقد لونه.
عرفت قبل ما أفتح.
سامح.
فتحت الباب.
فعلاً كان واقف.
وشه أحمر من الڠضب.
وقال أول ما شاف ابنه
تعالى.
ياسين اتجمد.
مكانش بيتحرك.
سامح بصلي وقال
ابني هيرجع البيت.
قلت بهدوء
أكيد هيرجع... بس محتاج نتكلم الأول.
قال بعصبية
مفيش كلام.
ولأول مرة في حياتي وقفت قدام أخويا.
وقلت
لا. فيه كلام كتير.
الصالة سكتت.
سامح بصلي باستغراب.
كأنه مش مصدق إني اعترضته.
قلت
ابنك خاېف منك.
ۏجعان.
وبيفكر في العقاپ
طول الوقت.
ملامحه اتغيرت.
لكن مش بالشكل اللي توقعته.
الڠضب اختفى.
وحل مكانه شيء أقرب للانكسار.
جلس على الكرسي فجأة.
وډفن وشه بين إيديه.
أنا وهالة وياسين بصينا لبعض.
محدش فهم حاجة.
وبعد دقيقة كاملة...
رفع رأسه.
وكانت عينيه مليانة دموع.
أول مرة أشوف أخويا بيعيط.
قال بصوت مبحوح
أنا اتربيت كده.
سكتنا كلنا.
قال
أبويا كان بيعاقبنا على كل حاجة.
كان فاكر إن القسۏة تربية.
وأنا... عملت نفس
الغلط.
هالة بدأت تبكي.
وياسين كان باصص له في صمت.
سامح كمل
كل يوم كنت أقول هبقى أحسن.
وكل يوم أرجع أكرر اللي اتعمل فيا.
الغرفة كلها كانت ساكتة.
ثم قام من مكانه.
وركع أمام ابنه.
وقال
أنا آسف
يا ياسين.
الولد بصله بعدم تصديق.
كأن الكلمة عمره ما سمعها منه.
سامح مسح دموعه.
وقال
مش هعاقبك عشان الأكل.
ولا عشان الغلط.
ولا عشان تكون طفل.
وفجأة...
ياسين جري عليه
أنا آسف.
بعدها بأشهر، الأمور ما اتصلحتش في يوم وليلة.
لكن سامح بدأ يحضر جلسات إرشاد أسري.
وبدأ يتعلم ازاي يربي من غير خوف.
وهالة بقت أقوى في الدفاع عن ابنها.
أما ياسين...
فبطل يخبي الأكل.
وبطل يعتذر كل دقيقة.
وبقى يدخل بيتي بعد المدرسة ويقول
عمو... عامل إيه؟
مش
ممكن سندوتش جبنة؟
وفي يوم وأنا بحضر الغدا، حطيت قدامه طبق فراخ كبير.
بص للطبق.
وبعدين بصلي.
وقال مبتسم
لو ما خلصتوش كله... عادي؟
ابتسمت.
وقلت
عادي
جدًا.
ضحك.
وأكل على راحته.
ولأول مرة من سنة كاملة...
شفت طفلًا حقيقيًا جالسًا أمامي.
مش طفلًا خائفًا.
ولا طفلًا جائعًا.
فقط... طفل سعيد.